السيد نعمة الله الجزائري
111
الأنوار النعمانية
زمانه تلقيبه بالفيلسوف ، هذا محصّل مقالتهم وأما الشبه التي استندوا إليها في تصحيح هذه المذاهب الفاسد فمذكورة في كتب الحكمة وكذا الأجوبة عنها . فان قلت لعله قد روى في الاخبار ان اللّه تعالى لم يزل خلاقا وهذا الحديث بظاهره ينافي الحدوث قلت الجواب عنه من وجهين الأول ان معناه واللّه اعلم أنه لم يزل متصفا بهذه الصفة وهو صفة الخلاقية باعتبار القدرة على الخلق ، فان القادر على الشيء يوصف به وان لم يصدر منه ذلك الفعل ويدلّ عليه ما روى في الاخبار وكان خالقا إذ لا مخلوق وعالما إذ لا معلوم وقادرا إذ لا مقجور والثاني ان الخلق بمعنى الايجاد تارة ، ويمعنى التقدير أخرى وفي المثل اني إذا خلقت فريت أي إذا قدرت أمضيت قال الصدوق طاب ثراه وفي قول أئمتنا عليهم السّلام ان افعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين وخلق عيسى عليه السّلام من الطين كهيئة الطير ، وخالقه في الحقيقة اللّه عز وجل أقول وعلى هذا ينزّل قوله تعالى فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وهذا في الحقيقة ، راجع إلى العلم ، فإنه عزّ سلطانه قد علم بالمخلوقات قبل ايجاده كعمله بعد ايجادها . واما قوله سبحانه في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فأحببت ان اعرف فخلقت لا عرف ، فالخلق في قوله فخلقت بمعنى الايجاد ، وقد أورد على هذا الحديث اشكال وحاصله ان الخفا لا يكون الا مع وجود أحد يخفى عليه الشيء حتى يتصف ذلك الشيء بالخفا كما يقال هذا الشيء مخفي عن فلان ، وخفى عليه الشيء الفلاني ولم يكن في عالم الأول مخلوق حتى يتصف سبحانه بالخفاء عنه فكيف قال مخفيا والجواب عن هذا الاشكال من جهين . الأول : ان أرباب اللغة قد صرحوا بان خفي بمعنى ظهر قال في الصحاح نقلا عن الأصمعي خفيت للشيء أخفيته كتمته وخفيته أيضا أظهرته وهو من الاضداد ونقل عن أبي عبيدة أيضا مثله ، ونزل عليه قوله تعالى إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها في من قرأ بفتح الهمزة أي أظهرها وفي نهاية ابن الأثير فالمعنى حينئذ اني كنت كنزا ظاهرا فخلقت الخلق ليعرفوني على هذا الظهور الذي انا عليه ، ولو لم أكن بهذه الغاية من الظهور لما توصلوا إلى معرفتي بعد خلفي إياهم الثاني ان يكون الخفا بمعناه الاخر وهو الأنسب بالكنز ولكن المبادئ انما تطلق عليه سبحانه باعتبار غاياتها ولوازمها ومعناه حينئذ اني كنت كنزا مستورا ومحتجبا تحت سرادق العز والجلال فأحببت ان ابرز من تحت هذا الحجاب ، فخلقت الخلق وأظهرت نفسي لهم من تحت السرادقات ليعرفوني فإنه سبحانه لما خلق مخلوقاته تنزّل من ذلك الحجاب إلى غاية الظهور وأزال المواقع التي لو بقيت بعد خلق الخلق على ما كانت عليه لم تصل إلى أقرب درجة من مراتب معرفته العقول الطامحة بل انبسط معهم في الخطاب وعاتبهم على ما جنوا أرفق عتاب ، فقال عز من قائل من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا فيضاعفه له ، وقال إن تنصروا اللّه ينصركم ، حتى قالت المنافقون واليهود ان رب